صيدا: التاريخ
تعد صيدا -مع جارتها صور- أقوى مدينتين من بين جميع المدن الكنعانية، وقد ازدهرتا منذ العصر البرونزي (3000-1200 ق.م في الشرق الأوسط) وأصبحتا من أهمّ المدن في شرق البحر المتوسط، إذ انطلقت من مدينة صيدا معظم السفن الكنعانية التي جابت هذا البحر ونشرت الثقافة والحضارة الكنعانية في أنحائه، وقد اشتُهِرَت -خصوصاً- بصناعة الصباغ الأرجواني هي وصور. أضحت هذه الصبغة شديدة النّدرة والغلاء حتى أمست علامةً على السلطة الملكية في بلدانٍ قديمةٍ عدة. فيما بعد تدهورت أوضاع المدينة بسبب الغزو المتكرّر لها، فأفل نجمها بعد غزو الإسكندر الكبير في القرن الرابع قبل الميلاد، وأُلْحِقَت بعدئذٍ (مثل سائر المدن الكنعانية المتآكلة) بالإمبراطورية الرومانية، ثم فتحها العرب المسلمون وظلَّت جزءاً من الدول الإسلامية حتى أصبحت مسرحاً للنزاع في الحروب الصليبية، ولو أنها لم تستعد مكانتها من بعد العصور القديمة.
يعتقد بعض المؤرخين أن صيدا كانت أقدم المدن الكنعانية جميعاً، وهم يختلفون في تاريخ تأسيسها وإعمارها بالضَّبط، إذ يُحدِّده بعضهم بعام 2800 ق.م، لكنَّ الراجح لديهم أنها كانت عامرةً سنة 2500 ق.م، وقد وضعتها اليونسكو في المركز السابع ضمن قائمتها لأقدم عشر مدنٍ في العالم بتاريخ تأسيسٍ مقدرٍ عامَ 4000 ق.م، وتُعد صيدا إحدى أقدم مدن الكنعانيين أو كما دعاهم الإغريق الفينيقيين (الإنجليزية: phoenicians). وقد شهدت صيدون عهداً من الازدهار والتألق لأكثر من ألفٍ ومئتي عامٍ قبل أن تبدأ بالتدهور قرابة القرن الخامس عشر قبل الميلاد.
نعمت صيدا منذ فجر التاريخ باستقلالها الذاتي إذ حكمها ملوك من أبنائها حكماً وراثياً يؤازرهم مجلس أعيانٍ من مئة عضوٍ كانوا في معظمهم من الطبقة الأرستقراطية الثرية أو ما يُعرف بنظام حكمٍ أوليغاركي، وكان يتزعَّم المجلس والمدينة بأكملها حاكمٌ يُلقب بملك صيدون. وكانت صيدا وقتئذٍ من بين مدنٍ كنعانيةٍ عديدةٍ من دويلات المدن، أي مدنٌ تُحكَم مستقلّةً رغم تقاربها الثقافي والحضاري، ولكلٍّ منها حكومة وجيش وإدارة تخصّها، وكانت صيدا الرائدة بين هذه المدن في السياسة كما في الاقتصاد والتجارة عبر البحر المتوسط. ازدهرت صيدا في هذا العهد وشهدت زيادةً في عدد سكانها في القرن العشرين قبل الميلاد، وكان سكانها يدينون بعقيدةٍ وثنيةٍ على غرار الدويلات الكنعانية الأخرى، فكان لكلِّ مدينةٍ إلهٌ تختصّ به، وكان إلهُ مدينة صيدا إشمون وهو إله الشفاء والمداواة، كما عبدوا إلى جانبه الآلهة الكنعانية الكبرى مثل بعل وإيل. وكانت لغة المدينة هي الكنعانية التي انتشرت أبجديتها لاحقاً إلى لغاتٍ كثيرةٍ عبر العالم من ضمنها العربية والأبجديات اللاتينية. ازدهرت صيدا اقتصادياً وجنت أرباحاً كبيرةً من التجارة في مصنوعاتٍ عديدةٍ منها الصبغ الأرجواني الشهير إضافةً إلى المصنوعات الزجاجية والتعدين وبناء السفن، كما كانت تُصدِّر خمراً مشهوراً، وعُرفت بصناعاتٍ حرفيةٍ متنوّعةٍ منها نسج الصوف والكتان، والنقش، وصب الذهب والفضة، وصنع الأسلحة، ومنحوتات حفر العاج، وكان أهلها يجيدون الحراثة بالآلات وتبليط الطرق.
إلا أن مصدر الدخل الأساسي الآخر للمدينة -عدا التجارة- كان الاستيطان، فقد أسس الصيدونيّون المستوطنات التجارية في أرخبيل بحر إيجة (البيلوبونيز) وعلى ساحل المورة وكانوا من أسس مدينة طيبة الإغريقية في المورة، وتسلطوا على سكان الإقليم بما فيهم قوم جزيرة إقريطش، إلى أن عقد هؤلاء الكريتيون حلفاً مع بعض الكيانات المجاورة كاليونان وإيطاليا، وتعلّموا الملاحة وأتقنوها وشنوا حرباً على الصيدونيين حتى أجلوهم عن جزرهم.
وخضعت صيدا بعد ذلك -أسوةً ببلاد الشام جميعاً- للفرعون المصري تحوتمس الثالث (1479–1425 ق.م) من الأسرة الثامنة عشر، ودام الوجود المصري قرابة قرنٍ إذ يروي التاريخ أن زميردا ملك صيدون -متحالفاً مع الحثيين- ثار سنة 1354 ق.م على المصريين مستغلاً ضعفهم وحرر صور منهم، وعادت المدن الكنعانية لتنال استقلالها مجدداً. …