صور (لبنان): تاريخ صور
مما قيل في المدينة: "إنها المعمورة من البحر المدينة الشهيرة التي كانت قوية في البحر وسكانها أوقعوا رعبهم على جميع جيرانهم" (الكتاب المقدس)، و"هي كانت في كل الأدوار أهم المدن الفينيقية على الإطلاق" (راولنسون)، و "هي المعروفة بأنها أم المدن" (بلني الكبير)، "إنها سيدة البحار ومركز العالم التجاري لعدة قرون" (نينا جدجيان)، و "لا شك بأنها مباركة مدفوع عنها الفتن" (الإمام الأوزاعي)، و "هي التي تفوق كل المدن بقوة أبراجها وأسوارها" (تيودورش) و "التي تمتاز عن كل مدن فينيقية بجمالها" (فوكاس) و "قطعاً هي بطلة المدن والكلام عليها ما له نهاية" (سعيد عقل).
تكونت جزيرة «صور» منذ حوالي مليون سنة، أما البر المقابل لها فقد سُكن منذ أحد عشر ألف سنة على الأقل، أطلق الصوريون على مدينتهم اسم «صـُر – SR» الذي يمكن إرجاعه إلى الأصل «طر» والذي يعني في أكثر اللهجات السامية الصوان أو الحجر الحاد دالًا بذلك على الطبيعة الصخرية القاسية التي بنيت عليها المدينة، و«صور» تعني بالفينيقية الصخرة.
أما أصل الصوريين فهم كانوا من الفينيقيين الذين سكنوا الساحل من رأس شمرا حتى غزة في الجنوب، ويؤكد هيرودوت أن الفينيقيين كانوا يقطنون شواطئ البحر الأحمر ومنها قدموا إلى شواطئ لبنان وسوريا، أما جوستين فيروي فيرى أنهم تركوا أوطانهم الأصلية إثر حصول زلزال فيها وقدموا إلى شواطئ البحر المتوسط.
في سنة 980 ق.م تولى حيرام بن أبي بعل عرش «صور» وعمره عشرون عاماً، ووصلت «صور» في أيامه إلى مركز حضاري وتجاري لا يجارى، وأصبحت بحق «درة البحر الأبيض وسيدة الأوقيانوسات». وكان حيرام نشيطًا ومهتمًا بالمحافظة على ما حققه أسلافه من نجاحات خارج الحدود الصورية، فشن حربًا ضد الكتيين (القبارصة) لعصيانهم وتمنعهم عن دفع الجزية، وأرجعهم إلى الطاعة.
وفي عهده شهدت «صور» حركة عمران وإصلاح لم يعرفها تاريخ المنطقة من قبل، إذ وجه عنايته بادئ ذي بدء إلى حاضرته وعاصمة ملكه. وكانت «صور» حتى القرن العاشر تتألف من جزيرتين الشمالية (الرئيسية) التي كانت تقوم عليها المدينة، والصغرى إلى الجنوب الغربي، التي لم يكن عليها آنذاك سوى هيكل بعل السماء.
وقد سد حيرام القناة المائية التي كانت تفصل بين الجزيرتين، ووسع مساحة المدينة وجلب كميات كبيرة من الصخور والحجارة من الجبال إلى شرق الجزيرة الرئيسية، فربح بذلك مساحات إضافية توسعت المدينة عليها.
وأولى حيرام دور العبادة عناية خاصة، فرمم القديمة منها، وجلب خشب الأرز من جبال لبنان لسقفها وأعاد بناء هيكلي ملقارت وعشترت، وأقام عمودًا من الذهب في هيكل بعل السماء.
ولم يقتصر الإعجاب بهذه المنجزات على الصوريين وحدهم، بل تعداهم إلى جيرانهم الذين بهرتهم عظمة «صور» وتألقها في عهد ملكها الشاب، فأخذ ملوك وأمراء الدويلات المجاورة يتوددون إليه وينشدون صداقته، وكان داود ملك الإسرائيليين أبرز هؤلاء، فلم يبخل عليه حيرام بذلك، وأرسل له «خشب أرز وبنائين ونجارين». …