عطبرة: التاريخ
قامت عطبرة في قرية الداخلة التي اختارها الإنجليز لتصبح موقعاً حربياً لقواتهم بعد استعادة استعمار مدينتي أبو حمد وبربر في سنة 1898م، لموقعها الذي يحيط به نهري النيل وعطبرة من جهة الجنوب والغرب.
ويرتبط تاريخ عطبرة الحديث ارتباطاً وثيقا بتاريخ السكك الحديدية في السودان وتاريخ الحركة النقابية والعمالية بالسودان، حيث بدأت مرحلة نشوئها وتطورها كمدينة مع بداية تشييد خط السكك الحديدية من قبل القوات البريطانية المصرية عند غزوها للسودان لاستخدامه في نقل المؤن والعتاد الحربي من مصر وذلك في إطار استعداداتها للزحف نحو أم درمان عاصمة الدولة المهدية واسترداد السودان. وكان بناء الخط قد بدأ في منتصف تسعينيات القرن التاسع عشر عبر الصحراء حتى أبو حمد ومنها إلى عطبرة. وفي أبريل 1898 انتصرت القوات الغازية بقيادة كتشنر على قوات المهدي التي كان يقودها الأمير محمود ود أحمد في معركة نخيلة شمال عطبرة واستمر بناء الخط حتى وصل عطبرة في 3 يوليو 1898 م وتم في تلك الفترة نقل 3 بواخر مدفعية إلى عطبرة والتي كان لها دوراً حاسماً في الانتصار على قوات المهدية. وفي عام 1906م تم توصيل خط من عطبرة إلى ميناء بورتسودان لنقل قطن الجزيرة إلى مصانع لانكشير في بريطانيا، وبذلك أصبحت عطبرة حلقة وصل مهمة بين شمال السودان والعاصمة الخرطوم من ناحية، وبينها وبين ميناء بورتسودان في الشرق من ناحية أخرى.
وفي عام 1939 اختيرت عطبرة مركزاً رئيسياً لإدارة السكك الحديدية وورشها ومخازنها اللوجستية، والتي أصبحت أكبر صاحب أعمال بالمدينة يوظف في خدمته معظم سكانها حتى بلغ عددهم 120 ألف عامل تقريباً. ونتيجة لسياسة التمييز ضد السكان الوطنيين وعدم مساواتهم بالبريطانيين قرر عمال السكك الحديدية تأسيس نقابة عمالية خاصة بهم كانت أول نقابة عمالية في السودان. وفي عام 1947 نظمت النقابة إضراباً عاماً تضامناً مع نقابات عمالية مصرية.
نمت نقابة العمال السودانية حتى صارت واحدة من أقوى وأكبر الحركات العمالية المناوئة للاستعمار في إفريقيا وأصبحت على علاقة قوية مع الحزب الشيوعي السوداني الذي كان يتبنى قضايا ما كان يصفها بالبروليتاريا السودانية.
في عام 1954 م، تمت سودنة السكك الحديدية وتم تعيين محمد الفضلي أول سوداني في منصب مدير سكك حديد السودان.
وبعد فشل الانقلاب العسكري الذي قاده ضباط موالون للحزب الشيوعي ضد الرئيس جعفر نميري في سبعينيات القرن الماضي، وقيام نميري بحلّ الحزب الشيوعي وتفكيك منظماته والتضييق على مناصريه تقلصت قوة اتحاد النقابات. وفي عام 1981 م وجّه نميري ضربة قاضية للاتحاد بحلّه نهائياً وفصل آلاف العمال من الخدمة وإجلائهم من المنازل الحكومية التي كانوا يقيمون فيها مع الإبقاء على الورش الكبيرة للقيام بأعمال الصيانة فقط.
وبالتوسع في شبكة الطرق البرية تراجع دور السكك الحديدية وتقلصت أهمية عطبرة كحلقة وصل، لكن مشاريع تأهيل خطوط السكك الحديدية مؤخراً وتقاطع شبكات الطرق البرية الجديدة في عطبرة فضلا عن المشاريع الزراعية في المنطقة، ساعدت المدينة على استرداد أهميتها ودورها التاريخي كحلقة وصل للنقل والمواصلات ومركز تجاري وصناعي.