ميت غمر: التاريخ
=== التاريخ القديم ===
تُعدّ ميت غمر من المدن القديمة، لكن تاريخ نشأتها الدقيق غير معروف، مثل كثير من مدن مصر. ويرى الرحالة الألماني كارستن نيبور أن ميت غمر من المدن التي لم تُعرف إلا منذ مدة حديثة نسبيًا، ولم تُعرف قبل ألفي عام أو يزيد، شأنها شأن مدن كثيرة أخرى. كانت ميت غمر خلال العصر الفاطمي مركزًا تجاريًا داخليًا اشتهرت بأسواقها في منطقة الدلتا، وقد أشار إلى ذلك الإدريسي في كتابه نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، حيث ذكر أن ميت غمر: «لها سوق ومتاجر ودخل وخرج قائم»، وردت باسم «منية غمر وحماد» في أعمال الشرقية ضمن بلاد الروك الصلاحي التي أحصاها ابن مماتي في كتاب قوانين الدواوين.
خلال العصور الإسلامية، كانت ميت غمر من أبرز المناطق التي استقر بها عدد من القبائل العربية، ومن بينهم قبائل لَخْم وجُذَام ومنهم بنو شاور الذين يُنسبون إلى الوزير الفاطمي المعروف شاور السعدي، بالإضافة إلى قبيلة لَوَاتَة من بطون قيس. تميزت ميت غمر بوجود عدد كبير من الأولياء وخاصة من الأولياء الذين تدل سيرهم على أنهم من قادة وشهداء المعارك الاسلامية. كما عُرفت بانتشار الإقطاعات فيها، وكان من أبرز من امتلكوا أراضٍ بها: ست الملك بنت الخليفة العزيز بالله الفاطمي وأخت الخليفة الحاكم بأمر الله. وقد ذكرها الشاعر عمارة اليمني في شعره بعد ارتحاله إليها في قوله:
تعرضت مدينة ميت غمر سنة 564هـ/1168م لهجومٍ صليبي خلال عهد الخليفة العاضد لدين الله. قاد الهجوم الملك عموري الأول ملك مملكة بيت المقدس بعد أن أقدم شاور السعدي على إحراق الفسطاط، فتوجه الصليبيون إلى ميت غمر بأسطولٍ ضمّ عشرين سفينة، وأسفر الهجوم عن وقوع القتل والأسر والسبي.
خلال العصر المملوكي كانت ميت غمر تتبع إداريًا لأعمال الشرقية، وورد اسمها آنذاك باسم "منية غمر" ضمن البلاد التي أحصاها ابن الجيعان في كتابه التحفة السنية بأسماء البلاد المصرية ضمن بلاد الروك الناصري، كما ضمت منية حماد إلى ميت غمر في الروك الناصري بسبب اشتراكهما في الزمام واتصالها مساكنهما. في العهد المملوكي، أصبحت ميت غمر مقرّ كاشف الوجه البحري (يطلق عليه والي الولاة)، الذي يحكم سائر بلاد الوجه البحري ما عدا البحيرة، حيث كانت مقر نائب السلطنة. وقد حظيت المدينة بمكانة ملحوظة لدى أمراء المماليك، إذ حصل عدد منهم على إقطاعات بها، من بينهم الأمير بكتمر العلمي نقيب الجيوش والأمير تغري بردي الشمسي. وقد بلغت مساحتها 2531 فدانًا في أواخر هذا العصر. في عام 857هـ/1453م تعرّضت ميت غمر لنهب واسع على يد العربان، مما أدى إلى خرابها ونزوح عدد كبير من سكانها عنها. فلجأ الأهالي إلى زين الدين الأستادار يشكون ما حلّ بهم، فأمرهم بالمثول أمام السلطان لعرض شكواهم، غير أن الأستادار ما لبث أن تعرّض لنكبة، فتتابعت الأحوال على أهل المدينة. وبعد فترة عاد السكان إلى مدينتهم عقب تفويض أمرهم إلى بقر بن راشد شيخ عربان الشرقية، حيث نُظِّمت مسألة بيع أمتعتهم، وما نُهب من محلهم. وفي سنة 863هـ/1458م أرسل السلطان الأشرف إينال قوةً عسكريةً من المماليك لضبط الأمن وإعادة الاستقرار إلى المنطقة، ومقاتلة العربان.
استقر بميت غمر عدد من الأولياء الصوفية والمريدين في العصر المملوكي نظرًا لموقعها القريب من النيل، وبسبب شهرتهم جذبت المدينة أتباعهم من مختلف أنحاء مصر، وما زالت بعض الأضرحة ذات القباب التي تعود إلى القرن الخامس عشر الميلادي قائمة حتى اليوم مثل ضريح سيدي محمد الواعظ (سيدي عز الواعظ) وضريح سيدي خلف وضريح السادة الأربعين. بالإضافة إلى ذلك، بالرغم من اندثار بعض الأضرحة المملوكية الأخرى، لا تزال أصول بعض المساجد التابعة لها قائمة، مثل مسجد الشيخ قاسم (سيدي قاسم) وغيره. كان للمتصوفة ميت غمر مكانة مرموقة عند سلاطين المماليك، فذكر أن السلطان قايتباي أراد لقاء أبو العباس الغمري، لكنه لم يتمكن، فأرسل ابنه لاحقًا للقائه. …