الرستن: التاريخ
يرجع تاريخ إنسانها الذي كشف آثار أدواته الحجرية العالم فإن لير إلى عصر الفيليفرانشي المتأخر (أوائل البلايستوسين الأوسط) شرقي موقع السد (على السفح الأعلى لوادي العاصي مقابل بلدة الرستن).
تنتصف بلدة الرستن الطريق ما بين حمص وحماه، حيث يمر نهر العاصي وقد عمّق مجراه عن السهول المجاورة حوالي سبعين مترًا ورسم انعطافًا نحو الجنوب والشرق.
اختار سكان الرستن الأوائل السفح الأعلى الشرقي لهذا المنعطف. وبنوا بيوتهم من الحجر البازلتي الأسود الموشى بالحجر الكلسي الأبيض بعض الأحيان أو من الحجر الكلسي الأبيض فقط. وقد سبقهم قبل إنجاز مساكنهم هذه ساكنوا الكهوف الذين تركوا آثارهم من الأدوات الحجرية على جوانب الوادي، ترسم أراضي بلدة الرستن الجنوبية ميلًا ضعيفًا نحو العاصي في الشمال قبل أن تنحدر بشدة وتأخذ أحيانا شكل الجروف المتجهة إلى وادي (مجرى) العاصي. إن هذا الموقع الإستراتيجي (منحدر شديد شمالي، وادي سحيق هو وادي العاصي في الشرق وواد متعمق على امتدادها من جهة الغرب) أعطى البلدة في الماضي موقعا حصينا جدا مواجها للمناطق الواقعة شمالي العاصي.
وعلى مجرى العاصي أقيم الجسر القديم الذي يصل مناطق الشمال بمناطق الجنوب وأقيمت عليه الطاحونة التي تدار بطاقة جريان العاصي (أُزيلت الطاحونة بعد بناء السد فوقها).
تأخذ الرستن في امتدادها العمراني اتجاها شماليا جنوبيا بطول (1) كم، وعرض وسطي في قسمها الشمالي يقارب 200 م، حيث تحف بها المنحدرات من كافة الجوانب (باستثناء الاتجاه الجنوبي). وتتراص المساكن وتتعرج الأزقّة ويصـل مسار قسم كبير منها إلى نهاية مسدودة. تحتل المساجد خير مواقعها.
تعطي أبنية الرستن الحجرية السوداء مظهرًا أثريا نادرًا يزيده شموخ ارتفاعها التضاريسي جمالًا. وإذا ما زرت طريقها المدرج المساير لطرفها الشرقي ووادي العاصي السحيق شعرت وكأنك تحلم في جو قلاع الفرسان الغابر حيث الهدوء والخضرة والطبيعة الفتانة النضرة وحيث ما زالت النسوة والقسم الأكبر من الرجال يحافظون على لباسهم التقليدي الجميل المميز.
ومع رياح التجديد تغيرت صورة البلدة كليًا في مناطق التوسع الجديد للعمران حيث أخذت تسود الأبنية الاسمنتية والشوارع المسقيمة وانتقيت الأراضي السهلية للعمران. وأصبح الطابع الشائع المعروف لمناطق التوسع العمراني في القطر هو المميز لها.
أما السد الضخم الحديث المقام شمال البلدة، الذي يفصلها عنه وادٍ جانبي يرفد العاصي من جهة الغرب فقد أضفى بعمرانه على أطراف البلدة إمكانيات الإنسان الخلاقة في تغيير معالم الطبيعة نحو الأحسن فالسد البازلتي الذي يعلو أكثر من 60 م والمفيض الاسمنتي الضخم ببواباته الفولاذية والطريق المفروش بالإسفلت الذي يعلوه والبحيرة الضخمة التي تختزن مياه العاصي والغابة المغروسة على جوانبه والمنتزه الضخم مع الخدمات السياحية بجواره ومعمل الطاقة.. كلها تبرز رياح التطور الإيجابي في هذه البلدة. وسكان الرستن يشتهرون بالزراعة.