القصير (سوريا): تاريخيا
تعتبر منطقة القصير عموماً من المناطق الغنية بالآثار ما يدل على قدمها، رغم أنها شهدت انقطاعاً خلال فترة الحروب الصليبية، وأقدم ذكر موثّق للمنطقة يعود إلى الألف الثانية قبل الميلاد، وتحديداً في العام 1274 ق.م عندما حدثت معركة قادش بين الإمبراطوريتين المصرية والحثية، والتي انتهت بتوقيع توقيع معاهدة سلام مصرية حيثية رسمية في عام 1258 قبل الميلاد بين المصريين والحيثيين. تم نقش المعاهدة على لوح من الفضة، ووصل الينا منها نسخة من الطين نجا في العاصمة الحيثية حاتوسا حتوساس الموجودة جغرافيا في تركيا الحديثة، ومعروضة في متحف الآثار في إسطنبول. وهناك نسخة طبق الاصل لمعاهدة قادش معلقة في المقر الدائم للأمم المتحدة كأول معاهدة سلام مكتوبة وموثقة في التاريخ. النسخ الحيثية منقوشة على ألواح الطين والنسخ المصرية مكتوبة على أوراق البردي.
وفي العصور التالية انحسرت أهمية المنطقة خصوصاً مع صعود نجم مدينة حمص (إيميسا) خلال العهدين الروماني ثم البيزنطي، وخلال الفتوح الإسلامية ببلاد الشام خاض الصحابي خالد بن الوليد معركة فيها قبيل فتح مدينة حمص.
وظلت من أعمال حمص طيلة فترة الحكم الإسلامي وصولاً إلى فترة الحروب الصليبية، حين أصبحت المنطقة الممتدة من سهل البقاع جنوباً وحتى مدينة حمص شمالاً خالية من السكان تقريباً بسبب الحروب والمعارك المستمرة بين المسلمين والصليبيين حيث مثّل نهر العاصي في منطقة القصير الحد الفاصل بين كونتية طرابلس الصليبية وولاية حمص.
ومع حلول العهد المملوكي ظهرت القصير في كتب الآثاريين بمسماها الحالي، وأقدم ذكر ورد في كتاب «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» للقلقشندي المتوفي عام 1418م، الذي تولى منصب ديوان الإنشاء في عهد السلطان الظاهر برقوق، وجاء فيه ما يلي:"القصير قرية تقع إلى الجنوب الغربي من حمص (بمسافة 30 كم) تسلّمها الظاهر بيبرس سنة 666 للهجرة/1268 للميلاد، كانت تشكل المنزل الأول لمن يريد حمص من جهة دمشق، وإحدى محطات البريد المتفرعة من بعلبك وطرابلس".وتشير المصادر التاريخية إلى أن الظاهر بيبرس بنى فيها وفي قرية قادش (تل النبي مندو) مسجدين، إلا أن هذين المسجدين غير معروفي الموقع حالياً، ويعتبران من ضمن المواقع الأثرية المفقودة في المنطقة، التي لم يسبق أن شهدت عمليات تنقيب جدية عن الآثار فيها، رغم أهميتها الجغرافية والتاريخية.
وذكرها بدر الدين العيني المتوفى عام 855 هـ 1451م في كتابه عقود الجمان في علم المعاني والبيان، وأورد الآتي:"الملك الناصر يوسف صاحب حلب قبض على الملك الناصر داود ابن المعظم وحبسه في حمص، وذلك أنه كان قد قدم دمشق في خدمة الناصر يوسف، فبلغه عنه ما أوجب القبض عليه، فقبض عليه وسيَّره إلى حمص تحت الاحتياط، فاعتقل في قلعتها، وكان قد وعده وعوداً جميلة فلم يُنجز له منها شيئاً، فلما أيس منه طلب منه دستوراً ليمضى إلى بغداد، فأعطاه الدستور، فلما خرج إلى القُصَيْر قبض عليه في مستهلّ شعبان من هذه السنة، ووصل حريمه وأولاده من مصر، وكان له عشرة أولاد ذكورا وثلاث بنات، فأنزلوا في دمشق."واسم «القصير» اساس الاسم تصغير لكلمة قصر (فأصبحت القصير) مثل عمر (عمير)، وتقول الرواية الشعبية إن ذلك القصر تعود ملكيته إلى عائلة «مردم بك» وليس ما حوله حيث كان يعمل بداخله ال عوض بالحصة وال الخطيب، بينما كانت هذه المنطقة السهلية مرتعاً للحيوانات البرية وأهمها الغزلان، وتوجد في مدينة القصير منطقة منخفضة معروفة باسم «جورة الغزلان» كانت تتجمع فيها مياه الأمطار وتشرب منها الغزلان.
وكانت «القصير» عبر التاريخ سيدة نفسها، فهي لم تكن يوماً من الأيام خاضعة للإقطاع، كبقية القرى التي حولها، والتي كانت بأغلبها تعود ملكيتها إلى عائلة واحدة أو عائلتين. فأهالي بلدة «القصير» كانوا متملّكين لأراضيهم منذ بداية تاريخهم، وهم يعملون بأنفسهم فيها. وكانت بداية هذه البلدة من خلال مرور نهر «العاصي» على مسافة قريبة منها، مما جعل الناس يرغبون السكن فيها طلباً للمعيشة، ومنذ نشوئها لم يتغير فيها شيء إلاً اتساعها. …