الدار البيضاء: التاريخ
=== ما قبل التاريخ ===
شهدت مدينة الدار البيضاء ومحيطها اكتشافات أثرية مهمة تتعلق بتاريخ الإنسان القديم، من بينها لُقى بشرية يعود تأريخها إلى نحو 773 ألف سنة. وقد توصّل فريق بحثي يضم علماء آثار وأنثروبولوجيا مغاربة وأجانب إلى أن هذه البقايا قد تعود إلى سلف مشترك محتمل لكل من الإنسان العاقل (Homo sapiens) وإنسان النياندرتال. وتعود بعض هذه اللقى إلى حملات تنقيب أُنجزت سنتي 2008 و2009، واستغرقت دراستها سنوات من التحليل المخبري والمقارنة العلمية. نُشرت نتائج هذا البحث في مجلة «نيتشر» العلمية، وشارك في إعداد الدراسة 29 باحثًا متخصصًا في مجالات الأنثروبولوجيا والجيولوجيا وعلم الآثار، ما يعكس الأهمية العلمية لهذه الاكتشافات ودورها في إعادة تقييم مسار تطور الإنسان في شمال إفريقيا.
تضم المدينة ومحيطها عددًا من المواقع الأثرية ذات الأهمية البالغة، من بينها موقع «ليساسفة» الذي يعود تاريخه إلى ما بين 5 و6 ملايين سنة، وموقع «أهل الغلام» المؤرخ بحوالي 2.5 مليون سنة، حيث عُثر على بقايا حيوان «الهيباريون»، السلف القديم للحصان الحالي. كما تشمل مواقع «أولاد حميدة» عدة مواقع أثرية، من أبرزها موقع «طوما 1»، الذي يُعد شاهدًا على بدايات استيطان الإنسان للمنطقة منذ نحو مليون سنة.
قام أمازيغ مملكة بورغواطة بتأسيس مدينة الدار البيضاء (أنفا) سنة 768 م. وحسب الزياني المولود سنة 1734 المدينة أسسها الأمازيغ حيث حينما انتقل الزيانيون إلى تامسنا وتادلة قاموا بتأسيس أنفا في تامسنا ومدينة داي في تادلة.
«أنفا» أو «أنافا» أو «أنفي»... تسميات مختلفة وردت في المصادر التاريخية القديمة للإشارة إلى الحاضرة التي ظهرت في المكان الحالي للدار البيضاء. وينسبها ابن الوزان (ليون الإفريقي) إلى الرومان، كما ينسبها آخرون إلى الفينيقيين. ولكن غالب المؤرخين يذهبون إلى أن مؤسسيها هم الأمازيغ الزناتيون. وقد اشتهرت "آنفا' لحقبة من الزمان بعلمائها وجنودها وتجارتها المزدهرة..
بقيت «أنفا» خلال حكم المرينيين مدينة صغيرة مفتوحة على التجارة البحرية مع الخارج لاسيما مع الإسبان والبرتغال. كما كان سكانها بحارة يمارسون القرصنة ويهاجمون بصفة خاصة السفن البرتغالية، مما أثار حفيظة البرتغاليين الذين نظموا هجوما على المدينة وقاموا بتدميرها عن آخرها سنة 1486. وقد حاول البرتغاليون سنة 1515 بناء قلعة محصنة، لكن هزيمتهم على يد المرينيين جعلتهم يتخلون عن ذلك. ويبدو أن «أنفا» قد اندثرت بدون أن تترك أي أثر سوى ضريح «سيدي علال القيرواني» بوصفه شاهدا على حضارة مشرقة. الدار البيضاء دمرهازلزال كبير سنة 1755 يعرف باسم زلزال لشبونة فالزلزال دمّر مدينة لشبونة أيضا.
في عهد الدولة العلوية إبان حكم السلطان محمد الثالث بن عبد الله (1757-1790) أُعيد بناء المدينة، وأصبحت تحمل اسم «الدار البيضاء» أو «كازابلانكا» حسب النعت الإسباني. وبفضل الضرائب المفروضة على قبائل «الشاوية» استطاع السلطان سيدي محمد بن عبد الله بناء قلعة محصنة لاستقرار الجنود، والتي أصبحت فيما بعد الوجهة المفضلة لقبائل «الشاوية» و«دكالة». وحوالي سنة 1830 أخذت التجارة بالدار البيضاء مع دول أوروبية تعرف نموا، والتي ازدهرت في عهد السلطان العلوي الحسن الأول حيث غدت هذه المدينة تستقطب العديد من التجار والحرفيين من مناطق عديدة، وخاصة من مدينتي «فاس» و«مراكش»، وقد تمكنت بعض الشركات الفرنسية من تقوية نفوذها في المغرب وأكبرها الشركة القابضة الفرنسية «الشركة المغربية» التي أصبحت تتحكم في أراضي فلاحية واسعة.
قررت اتفاقية الجزيرة الخضراء الموقعة في 1906 أولوية فرنسا في المغرب أمام الدول الأوروبية الأخرى وشملت الوثيقة ثلاثة بنود أثرت على الدار البيضاء مباشرة وهي: أن يسيطر الضباط الفرنسيون على التدابير في دار الجمارك ويستحوذون الردود كضمان رهني للقروض التي أعطتها فرنسا، وأن تضطلع الشركة المغربية بمسؤولية تطوير ميناء الدار البيضاء، وأن يجهز الفرنسيون والإسبانيون قوة شرطة لمراقبة الميناء. …