مادبا: التاريخ
=== التاريخ القديم ===
ورد اسم مادبا وجوارها في العديد من الكتابات التاريخيّة القديمة، والكتب السماوية، كالتوراة والإنجيل والأسفار. وجاء فيها اسم «ميداب» و«حشبون» (حسبان) و«ذيبون» (ذيبان) وجبل نيبو و«بعل معون» (ماعين) ومكاور ووادي الوالة، وغيرها من المواقع المهمّة، إضافة إلى النقوش والشواهد الأثريّة العديدة، والتي يُستدل منها أن المدينة كانت إحدى المدن العامرة في الأزمان القديمة، وأن لها تاريخًا يعود إلى حضارة المؤابيين وعدة ممالك أخرى حكمتها.
ظهر في بدايات القرن الثالث عشر قبل الميلاد في منطقة شرق الأردن عدة ممالك ودويلات كانت ذات طابع محلي، هي ممالك المؤابيين والعمّونيين والأدوميين والأموريين. وكانت مادبا ضمن أراضي مملكة مؤاب، التي امتدت أراضيها في وادي الموجب شمالاً إلى الحسا جنوبًا. إلا أن حدود تلك الممالك لم تكن ثابتة، بل كانت تتغير وتتبدل بين الفترة والأخرى، وذلك تبعًا لطبيعة الأحوال السياسيّة السائدة في هذه الممالك. وهذا يعني أن منطقة مادبا وجوارها قد تبادلت السيطرة عليها في بعض الأحيان دول غير المؤابيين، كالأموريين والعمّونيين. وكانت تلك الفترة نفسها التي خرج منها بنو إسرائيل من مصر في فترة النبي موسى، الذين وقعت بينهم وبين المؤابيين عدة معارك، تمكن بعدها الملك العبري عمري الانتصار والسيطرة على عدة مناطق مؤابية، كانت منها مادبا. ولكن تبعية مملكة مؤاب للملك عمري لم تدم طويلا، حيث انتصر عليه الملك ميشع، وتمكن من استعادة قوة مؤاب وطرد بني إسرائيل منها. ولقد خلّدت مسلة ميشع تلك الانتصارات.
لقد لعب موقع مادبا تاريخيًا دور كبير في أهميتها، حيث كانت إحدى محطات طريق الملوك الذي يربط مصر ببلاد الشام، حيث يُعتبر أحد أقدم وأهم الطرق التجارية في منطقة الشرق الأوسط. كما اعتمد المؤابيون وغيرهم من الأقوام في الدول القديمة على هذا الطريق للتجارة. كانت السيطرة على هذا الطريق من أهم أسباب المعارك التي حدثت بين بني إسرائيل والممالك الواقعة شرق نهر الأردن. وقد ورد في الكتاب المقدس بعهده القديم عندما زحفت جيوش حلف مؤلف من أربعة من ملوك الشمال على طول هذا الطريق لمحاربة الملوك مدن بسهل الخمس بما في ذلك مدينتا سدوم وعمورة، وهو الطريق الذي تمنى موسى أن يسلكه مع قومه عبر أرض إدوم للحصول على أرض كنعان.
خضعت مادبا بعد فترة للسيطرة الآرامية، ثم احتلها الآشوريون، الذين أعطوا الحكم للمؤابيين ليحكموا أنفسهم بأنفسهم مقابل إعطاء الجزية. وعندما تغلب البابليون على الآشوريين، سيطروا على جميع مناطقهم، ومنها مؤاب. وقد قام القائد نبوخذنصر بالهجوم على حسبان وذبح أهلها، وذلك بعد هجومه على القدس والسبي البابلي الأول. وقد تراجعت مؤاب بعد ذلك.
خضعت المنطقة بعد ذلك للغزو الفارسي، ثم احتلها الاسكندر المقدوني عام 332 ق.م، فأدخل إلى المنطقة بعض مظاهر الحضارة اليونانية. استمر هذا الأمر حتى دخول الأنباط المدينة في القرن الثاني قبل الميلاد، حيث تمكن الملك الحارث الأول من استرجاع مادبا وجوارها وضمها لمملكته. وأسند الأنباط إدارة مادبا وجوارها إلى بني يعمر. …