محافظة شبوة – التاريخ
تقع محافظة شبوة في جنوب وسط الجمهورية اليمنية، وهي ثالث أكبر محافظة في اليمن من حيث المساحة، وهي محاطة بأربع محافظات حيث تحدها حضرموت من الشرق، ومأرب من الشمال، وأبين والبيضاء من الغرب، وتتشكّل تضاريسها من جبال وعرة وهضاب ووديان في الأجزاء الشمالية الغربية والوسطى من المحافظة، وتحيط بها صحراء رملة السبعتين من الجهة الشمالية الشرقية، والصحراء الساحلية على طول بحر العرب من الجنوب. وتنتشر قرى الصيد على طول ساحل شبوة الممتد لنحو 300 كيلومتر، أهمها بئر علي وحوراء وبلحاف، وفيها ميناء بلحاف الذي يضم مشروع بلحاف لتصدير الغاز الطبيعي المسال.
تتكون المحافظة من 17 مديرية تمتد على مساحة تبلغ 47,584 كيلومتر مربع (18,372 ميل2)، وتتميز بأنها من أقل المحافظات كثافة سكانية في اليمن، ويقدر عدد سكانها بنحو 600 ألف إلى 700 ألف نسمة موزعين على عدّة مراكز حضرية صغيرة أكبرها العاصمة عتق والعليا وعزان، بالإضافة إلى العديد من القرى والنجوع.
تتضمن حدود شبوة الحالية عواصم ثلاث ممالك يمنية قديمة كانت من أهم مراكز التجارة العالمية (حضرموت وأوسان وقتبان). كما سكنتها العديد من الجاليات اليهودية اليمنية قبل إعادة توطينها في إسرائيل كجزء من عملية بساط الريح.
=== التاريخ القديم ===
تُعد محافظة شبوة من أعمق المناطق اليمنية تاريخيًا، حيث شكّلت أراضيها مسرحًا لقيام ثلاث من الممالك العربية الجنوبية الكبرى وهي: مملكة حضرموت، مملكة قتبان، ومملكة أوسان. امتد تاريخ هذه الممالك من الألف الثاني قبل الميلاد حتى القرن الخامس الميلادي، حيث انتهى عصرها مع توحيد مملكة حمير لجنوب الجزيرة العربية.
ازدهرت مملكة حضرموت في الفترة الممتدة من الألف الأول قبل الميلاد حتى القرن الخامس الميلادي. اتخذت المملكة من مدينة شبوت (شبوة) عاصمة لها، والتي تقع حالياً في مديرية عرماء شمال شرق مدينة عتق، على الضفة الغربية لوادي عرماء، على ارتفاع 700 متر عن سطح البحر.
كانت شبوة محطة رئيسية على طريق البخور، وهو شبكة التجارة العالمية القديمة التي كانت تنقل اللبان والمر من جنوب الجزيرة العربية إلى حضارات بلاد الرافدين ومصر القديمة والبحر الأبيض المتوسط. وفقًا للمؤرخ الروماني بلينيوس الأكبر، كانت شبوة مركزًا تجاريًا حيويًا حيث كانت القوافل تحمل البخور على ظهور الجمال، وكان الكهنة يأخذون عُشر المحصول للإله سابيس قبل أن يُسمح ببيع البخور.
تقع المدينة على تلة محصنة بسور مزدوج يعود تاريخ مرحلته الأولى إلى القرن السابع قبل الميلاد. تضم المدينة بقايا معبد ضخم مخصص للإله سيان أو سين (الإله القمر)، الذي كان المعبود الرسمي لمملكة حضرموت، بالإضافة إلى القصر الملكي شقير. كما تشير الدراسات إلى أن المباني المرتفعة في شبوة لعبت دورًا دفاعيًا، وهو تقليد استمر في العمارة الحضرمية لاحقًا.
تشير أقدم البقايا الأثرية في الموقع إلى وجود استيطان يعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، مع اقتصاد زراعي قائم على الري الموسمي.
بين القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد، تشير الأدلة إلى هجرة كبيرة من السبئيين إلى المنطقة، جالبين معهم أساليب جديدة في العمارة والفخار.
تعرضت مدينة شبوة للتدمير على يد الملك ومكرب سبأ كربئيل وتر في القرن السابع قبل الميلاد، وهو ما وثقته النقوش السبئية التي تشير إلى أهمية هذا النصر. أعيد بناء المدينة لاحقًا، واستمرت كعاصمة لحضرموت حتى تعرض القصر الملكي شقير لأضرار جسيمة على يد الجيش السبئي في القرن الثالث الميلادي. هجرت المدينة بشكل نهائي في أواخر القرن الرابع أو أوائل القرن الخامس الميلادي، حيث انتقل السكان المتبقون لتأسيس مدينة شبام. يعزى انهيار المدينة إلى مزيج من العوامل التخلي عن نظام الري الواسع الذي كان يمتد على أكثر من 1500 هكتار لأسباب تقنية، وسيطرة الحميريين على المنطقة.
اكتشف الموقع لأول مرة في عام 1936 بواسطة هاري سانت جون فيلبي. في عام 1942، أجرى الرائد ر. أ. ب. هاميلتون حملة تنقيب قصيرة بمساعدة جنود بريطانيين. بعد حرب الاستقلال في اليمن الجنوبي، استأنفت بعثة فرنسية أعمال التنقيب في عام 1975 واستمرت حتى عام 2000.
قامت مملكة قتبان في منطقة وادي بيحان غرب محافظة شبوة. اتخذت من مدينة تمنع عاصمة لها.
كانت تمنع مركزًا رئيسيًا على طريق البخور، حيث كانت تربط طرق القوافل القادمة من حضرموت بالموانئ على البحر الأبيض المتوسط مثل غزة والبتراء. تُظهر السجلات التاريخية أن قتبان ازدهرت تجاريًا بفضل موقعها الاستراتيجي الذي يسيطر على طرق التجارة البرية. شهدت تمنع أعمال تنقيب أمريكية في الخمسينيات من القرن العشرين، وثقها عالم الآثار الأمريكي وندل فيليبس في كتابه "قتبان وسبأ". في عام 1962، عثرت دورية بريطانية في الموقع على رأس من المرمر وقطعة حجرية عليها كتابات، أُرسلت إلى متحف مانشستر. تعد تمنع موضوعًا موثقًا في فهارس المكتبات الأكاديمية كمثال لمدينة قتبانية قديمة، حيث تُعرِّف مكتبة الكونغرس تمنع بأنها "العاصمة القديمة لمملكة قتبان".
تعد مملكة أوسان من أقدم الممالك في جنوب الجزيرة العربية. …