طنطا: التاريخ
تشير الأدلة الأثرية إلى أن منطقة طنطا الحالية سُكنت في عهد الأسرة السادسة والعشرين. إذ عُثر بالقرب من مسجد السيد البدوي على كتلة من الجرانيت الأحمر تحمل اسم الملك أحمس الثاني (570-526 ق.م)، والراجع أنها في ذلك العهد كانت تعرف باسم تناسو أو طناسو. أسماها الإغريق في القرن الرابع قبل الميلاد «تانيتاد» وفي عصر الرومان عرفت باسم «طنتثنا» وكان لها مجلس للأعيان. اقترح عالم المصريات الفرنسي جورج دارسي (1864-1938) أن المدينة كانت تعرف في العصر الإغريقي باسم تاوا وربما تاووا أو تافا باللاتينية. أُطلق عليها طو في العصر البيزنطي وكان بها أسقفية كبيرة.
وقت الفتح الإسلامي لمصر كان اسمها «طانيطاد» ثم عُرب الاسم إلى «طنتدا» ولكنها كانت قليلة الأهمية حتى القرن الخامس الهجري عندما أصبحت قصبة كورة الطندتاوية وذلك في عهد المستنصر بالله الفاطمي وعين عليها واليًا يتولى أمرها، ثم استبدل هذا التقسيم بالكورة الكبرى والذي أصبحت فيه طندتا تتبع لعمل الغربية وقاعدته المحلة. اتساع عمران القرية في عهد صلاح الدين الأيوبي حتى بلغت مساحتها 100 فدان، عادت للقرية أهميتها بعد استقرار أحمد البدوي ثالث أقطاب الصوفية بها عام 634 هـ أو 637 هـ، بسبب أن مولد جعل من المدينة مركز تجاري مهم به مختلف الصنوف وهو أمر دفع الحكام للاهتمام بها وبخلفاء الطريقة الأحمدية. اهتم الوالي علي بك الكبير بالمدينة فشرع في بناء مسجد البدوي الحالي وصرف رواتب لمن به للمدرسين والطلاب وأقام بالمدينة حوانيت للتجار، وظهرت بها في ذلك العهد العديد من الوكالات والخانات وصنوف تجارية مختلفة مثل الأقمشة الهندية والبن اليمني.
غزت الحملة الفرنسية مصر في عام 1798 وبعد أن أحكمت السيطرة على القاهرة سارت إلى الوجه البحري لتحكم السيطرة عليه أيضا وتجمع الضرائب، فوصلت كتيبة فرنسية بقيادة الجنرال لو فيفر إلى طنطا في 7 أكتوبر 1798 وأمرت حاكمها سليم الشوربجي بأن يرسل لهم أربعة من أعيان المدينة رهائن لضمان ولاء السكان ومنع أي ثورة ضدهم، تزامن ذلك مع اكتظاظ المدينة بالزوار بسبب احتفالات المولد. استغل سليم الوضع وأرسل أربعة من أئمة مسجد أحمد البدوي لتحفيز الحشود المشاركة في المولد على التصدي للكتيبة الفرنسية وهو ما حدث فأجبرت تلك المقاومة الكتيبة على الانسحاب من المدينة. جُعل يوم التصدي هذا العيد القومي لمحافظة الغربية.
جنح نابليون إلى الحكمة وقال لوفجير «وأعتبر تخريب هذا المكان المقدس في نظر الشرق كارثة كبرى»، فأمره بعدم التعرض للمساجد والمقامات التي بالمدينة. فعادت القوات الفرنسية على البلدة بعد ثلاثة أيام فحاصروا المدينة وضربوها بالمدافع ثم دخلوا البلد وقبضوا على خدمة ضريح السيد البدوي ثم ارتحلوا عن البلد، بعد مدة نزلت طائفة من الفرنسين في المدينة وقررت 51 ألف ريال فرنسي على خدام الضريح ومئة ألف على أهل البلد. وغير الفرنسيون من تبعية طنطا فنقلوها إلى إقليم المنوفية.
قدر علماء الحملة الفرنسية عدد سكان المدينة بنحو عشرة آلاف نسمة في ذلك العهد وذكروا أن بها 12 وكالة، زارها الرحالة التركي أوليا جلبي أثناء جولته بمصر وقال أنها تضم 1500 دار و8 جوامع و32 مسجدًا و7 مكاتب و7 خانات وذكر قبر البدوي وعمارته. أعاد محمد علي باشا تقسيم الدلتا في عام 1813 وفيه عادت إدارة طنطا إلى إقليم الغربية (كان يشمل ثلثي أراضي الدلتا) الذي أصبح لاحقًا مديرية الغربية، وجعلت عاصمة لخط فيه 12 قرية.
أصبحت المدينة قاعدة مديرية الغربية في عام 1836 بدلًا من المحلة، وعاصمة مديرية روضة البحرين التي أنشئت ثلاث مرات الأولى من عام 1856 إلى 1867 وسنة واحدة هي 1866 ولمدة شهر في عام 1874، كانت تلك المديرية تشمل كل بلاد الدلتا ما عدا دمياط. ازدهرت المدينة في فترة تصدير القطن في القرن التاسع عشر إذ كانت مركزًا صناعيًا وتجاريًا للقرى المحيطة بها وهاجر إليها في ذلك الوقت الكثير من المصريين والأجانب مثل الشوام واليهود والإنجليز والطليان والفرنسيين. …