الزبير (العراق): التاريخ
في سنة 953 الهجرية الموافقة لسنة 1547 الميلادية في أول ولاية أمير الأمراء بكلر بكي محمد بلال باشا على البصرة، بنى العثمانيون مسجدين حول مرقد الصحابي الزبير وحول مرقد الصحابي طلحة، وكان مسجد الزبير هذا أول مسجد يُبنى بالبصرة القديمة بعد انقراضها التي موقعها الحالي مدينة الزبير، وكان بناء العثمانيين لهذين المسجدين نواة لمدينة الزبير الحالية حيث شكل بناؤهما بداية قيام أهل قرية ذراع القريبة حيث كانت أملاك أسرة آل عبد السلام العباسي (باش أعيان) منذ أواسط القرن الميلادي الثاني عشر قيامهم بالانتقال إلى الزبير، وفي حدود سنة 969 الهجرية الموافقة لسنة 1562 الميلادية في عهد والي البصرة رضوان باشا بنى السلطان العثماني سليم الثاني قبّة على مرقد الصحابي الزبير وقبّة مرقد الصحابي طلحة وحينئذٍ أخذ الناس بالتوجّه إلى الزبير محاذين لهذين المرقدين تبركاً بهما.
في حائط مرقد الزبير بن العوام وثيقة منقوشة على مرمر مذكور فيها "ولما دخل العراق في حوزة العثمانين سنة 953 هـ قاموا ببناء مسجد عند ضريح سيدنا الزبير ( رضي الله عنه ) وهو أول مسجد في هذه القصبة وفي رجب سنة ٩٧٩ هـ قامَ بخدمة ضريحه وضريح طلحة الخير واحترامهما بإنشاء القبتين على ضريحيهما المرحومُ المبرورُ السلطانُ الغازي سليم الثاني ابن السلطان سلیمان عليهما رحمة المنان ولا زالت دولتهم باقية على الاسلام الى آخر الزمان، فبعد بناء القبة جعل الناس يقصدون السكن حذاءهما تبركاً بالمقام"، ومدينة الزبير جزء من شمال غرب مدينة البصرة الأولى، وبالذات قرب مقابر البصرة، قال أحمد باش أعيان "وفي عام 1598 م (1006 هـ)، وذلك في عهد السلطان العثماني (محمد خان الثالث)، وفترة حكم (أفراسياب باشا الديري) على (البصرة)، تمّ بناء مسجد جديد في (الزبير)، غلبت عليه لاحقاً تسمية "مسجد النجادة". وهذا يدل على تنامي حجم مدينة (الزبير) في هذه الفترة". وقال علي أباحسين في كتابه (لمحة من تاريخ مدينة الزبير) "حين أصبحت البصرة ومنها الزبير تحت الحكم العثماني سنة 953 هـ كان حكامها من كبرائها تعيّنهم الدولة العثمانية حتى عام 1288 هـ إذ أصبحت الزبير مديرية تحت حكم شيخ من أهاليها يُقيمه والي البصرة"، وقال سليمان فائق متصرفُ لواء البصرة في كتابه (عشائر المنتفق) "وقد كانت الدعوة الوهابية تزعجُ الحكومةَ العثمانيةَ أيّما إزعاج حتى قامت لها قيامة الأستانة وتشبثت بعدة تشبّثات: منها الاهتمام بقصبة "الزبير" وتحصينها، ومنها إنشاء "الخميسية" في بادية سوق الشيوخ وجعلها مخفراً قوياً. وفي سنة 1289هـ عُيّنَ صالح أغا طابور أغاسي أول مديرٍ لناحية الزبير، وبما أن تجارة نجد الخارجية -إذا صح أن لهم تجارة خارجية- فإن العراق هو المنفذ والسوق القريب الذي يتعاملون معه، فنتج عن ذلك أن سكنت أسر نجدية كثيرة في العراق وبخاصة البصرة والزبير وسوق الشيوخ. وازداد استيطانهم فيها في القرن 18 مع تمدد الحركة الوهابية، ولم يكن في ذلك الموقع سلطة حكومية سوى إمارة المنتفق الذين كانوا يتجولون بجواره وقيل إن أولئك النجديين اختاروا رجلاً يرأسهم، اسمه راشد المعيصب، فسُمّيَ الرَيّس. وقد كانت مهددة من البادية، ثم أخذت المدينة بالنمو والتطور بعد قدوم «يحيى بن سليمان الزهير» -وقيل يحيى بن محمد الزهير- حيث تولى حكمها في سنة 1211هـ/1796م في عهد السلطان سليم الثالث وولاية المتسلم «عبد الله آغا بن سليمان» الأولى على البصرة عن الوزير سليمان باشا الكبير، واستمر بحكمها ثلاث سنوات.
تزامنت تلك الفترة مع تصاعد غارات الأعراب من البادية المتاخمة لولاية البصرة فقرر في سنة 1212هـ/1797م الذهاب إلى بغداد لزيارة وزيرها سليمان باشا الذي عَمّرَ قصبة الزبير، ليشرح له أهمية الموقع الجغرافي لقرية الزبير كونها الثغر الاستراتيجي لحماية مركز إيالة البصرة من جهة الصحراء، وأنها ملجأ لكثير من أهالي نجد الذين سيقصدونها إذا مامدت لهم الدولة يد العون، فتجاوب سليمان باشا مع ما قاله الزهير فقرر تخصيص مبلغ من المال لتحصين المدينة، وأمر الزهير بتشييد سور لها، وزوده بالمدافع وسلّح الأهالي. …