دير الزور: التاريخ
=== التاريخ القديم ===
دلت المكتشفات الأثرية في محافظة دير الزور أن المنطقة مأهولة بالسكان منذ الألف التاسع قبل الميلاد، غير أن موقع المدينة الحالي لم يشهد قيام مدينة قوية ذات شأن في الماضي، بل كانت دومًا مركزًا حضريًا تابعًا للمناطق والممالك المجاورة، كمملكة ماري التي قامت في الألف الثالث قبل الميلاد، خلال الألف الثالث قبل الميلاد، استوطن الأموريون المنطقة وأقاموا مملكة يمحاض التي كانت إحدى مراكزها الحضريّة مدينة دير الزور الحالية إلى جانب الميادين وبقرص وترقا وكانت عاصمتها في حلب، ولم تشهد المدينة حوادث مهمة مع تتالي الإمبراطوريات الكبرى كالأكادية أو الآشورية على المنطقة، غير أن بعض الحملات العسكرية التي قام بها الأباطرة كانت تقضي على المراكز الحضرية وتهدمها بالكامل خوفًا من تمردها مستقبلًا، بيد أن دير الزور آنذاك كانت أصغر من أن يكون لها القدرة على التمرد.
وفي القرن الثالث قبل الميلاد عبر الإسكندر المقدوني المنطقة وشيّد مدينة دورا أوربوس التي تبعت لها دير الزور، ورغم التأثر بالثقافة اليونانية إلا أن اللغة الآرامية ظلت السائدة في المدينة، وعندما دخلت سورية في الحكم الروماني عام 64 قبل الميلاد، كانت دير الزور قرية صغيرة هامشية تعرف باسم آزدرا تتبع قرقيسيا التي جعلها الرومان مركز المنطقة، وأقاموا فيها حاميّة عسكرية قويّة، وقد كشفت التنقيبات الأثرية عن وجود عدد من الآثار الرومانيّة والبيزنطيّة في المدينة سيما عند حفر أساسات فندق رغدان فيها، وقد تبعت دير الزور أيضًا لحكم زنوبيا ملكة تدمر في القرن الثاني ضمن فيدرالية ذات حكم ذاتي في الإمبراطورية الرومانية.
بعد انتهاء حروب الردة واستقرار الأمور في الجزيرة العربية، أرسل أبو بكر الصديق أربعة جيوش لفتح لبلاد الشام، وكان قادة الجيوش كل من يزيد بن أبي سفيان، أبي عبيدة بن الجراح، عمرو بن العاص، شرحبيل بن حسنة، وعلى أثر الصعوبات التي واجهتها هذه الجيوش بسبب قوة جيوش الامبراطورية البيزنطية وكثرة عددها أمر الصديق خالد بن الوليد بالسير بنصف جيش العراق نحو جبهات الشام وقيادة الجيوش هناك.
انطلق خالد بجيشه باتجاه الشام، ففتح بصرى ثم هزم الروم في عدة معارك أهمها اليرموك وأجنادين، وبعد تولي عمر بن الخطاب الخلافة الإسلامية عام 13 هـ (22 اب 634 ميلادي) عزل خالد بن الوليد عن قيادة جيوش الشام واستبدله بأبي عبيدة بن الجراح وأمره باستكمال الفتح، ففتحت دمشق ثم بعلبك ثم حمص وحماة واللاذقية.
بعد الهزائم الساحقة المتتالية للقوات البيزنطية، طلب الإمبراطور البيزنطي هرقل مساعدة المسيحيين العرب من بلاد ما بين النهرين الذين حشدوا جيشًا كبيرًا توجهوا به نحو حمص، قاعدة أبو عبيدة في شمال الشام، وأرسل إليهم هرقل جندًا عبر البحر من الإسكندرية، كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن ابي الوقاص بإمداد أبي عبيدة بالمسلمين من أهل العراق فأرسل إليه الجيوش مع القادة وكان فيهم عياض بن غنم وبلغ الروم الذين كانوا يحاصرون حمص مسير أهل العراق إليهم فانسحبوا من حمص ورجعوا إلى بلادهم فكتب سعد إلى عياض بغزو الجزيرة فغزاها سنة 17 هـ فمر في مسيره بدير الزور وفتحها وكان أهلها يومئذ على دين النصرانية واليهودية، وكان في المدينة دير نصراني يدعي دير النسّاك أُقيم بمكانه الجامع العمري، وأخذ المسلمون منذ ذلك العهد يتواردون إلى مدينة دير الزور من العراق وغيرها من البلدان لحسن موقعها الجامع بين نقاء الهواء وغزارة المياه، أما المسيحيون فتصدع شملهم شيئًا فشيئًا ومنهم من دان بالإسلام.
وبعد فتح الجزيرة الفراتية قال عياض بن غنم:
خلال العصر العباسي شهدت دير الزور استفاضة العمران والازدهار الزراعي بفضل الأمن والعناية بالري وشق الجداول والترع من الفرات والخابور وبفضل «طريق الفرات» التجاري الذي كان يمر فيها، وكانت المدينة من أعمال رحبة مالك بن طوق، وكانت أكبر مدينة على نهر الفرات في العصر العباسي بلدة المياذين حاليًا، ولم تسجل المدينة الصغيرة المدعوة حينذاك «دير الرمان» أية أحداث مهمة خلال عصور انحطاط الدولة العباسية والعصر المملوكي ما خلا تقلّب الدول شبه المستقلة التي نشأت في كنف الدولة العباسية على حكمها باستثناء تدميرها على يد المغول في القرن الثالث عشر. …